مدرسة الشهيد العميد مصطفى رجب العطار ( الاعدادية بنات )

مدرسة الشهيد العميد مصطفى رجب العطار ( الاعدادية بنات )

مغاغة الاعدادية الحديثة بنات سابقا

    المشكلة السكانية وطرق حلها


    عماد صابر
    رئيس تحرير مجلة الاعلام التربوى
    رئيس تحرير مجلة الاعلام التربوى

    عدد المساهمات: 5476
    نقاط: 16810
    تاريخ التسجيل: 10/10/2009
    العمر: 47

    المشكلة السكانية وطرق حلها

    مُساهمة من طرف عماد صابر في الخميس ديسمبر 24, 2009 3:31 am

    البطالة... و الطريق الي الحل

    تعتبر ظاهرة البطالة هي إحدى أهم الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر في جسد الاقتصاد المصري، وإحدى أبرز الملفات التي بات من الواجب على كافة القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في مصر العمل على إيجاد صيغة لعلاجها أو على الأقل لبدء حراكٍ اجتماعي وإصلاح سياسي واقتصادي شامل نحو رسم خطة في هذا المقام.

    وفي هذا الإطار- وفي هذه الورقة- نحاول أن نرسم ملامح لهذه المشكلة، وجذورها الضاربة في تاريخ مصر المعاصر منذ التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة والمفاجئة التي شهدتها مصر منذ ثورة 23 يوليو من العام 1952م، وكذلك آراء مجموعة من الاختصاصيين حول هذا الملف الكبير والخطير، والذي يهدد إذا ما لم يتم على الأقل حصاره بانهيار اجتماعي فجائي يودي إلى فوضى شاملة، في مجتمع باتت الأمراض الاجتماعية تهاجمه من كل صوب.

    وفي هذا الإطار فإن هذه الورقة سوف تتناول هذا الملف من خلال المطالب الفرعية الآتية:

    1- المطلب الأول: تعريف البطالة وواقعها في مصر.

    2- المطلب الثاني: سمات كتلة العاطلين في مصر.

    3- المطلب الثالث: أسباب مشكلة البطالة في مصر.

    4- المطلب الرابع: برنامج الدولة ومدى واقعيته.

    5- المطلب الخامس: البطالة ونواتج اجتماعية.

    وأخيرًا مطلب ختامي بعنوان "البطالة في مصر وإستراتيجيات غائبة" حيث يحمل بعض الأفكار حول هذه المشكلة وسبل التعاطي معها.

    المطلب الأول: البطالة.. التعريف والواقع المصري

    البطالة هي تعبير عن قصور في تحقيق الغايات من العمل في المجتمعات البشرية، وحيث الغايات من العمل متعددة، تتعدد مفاهيم البطالة فيقصد بالبطالة السافرة وجود أفراد قادرين على العمل وراغبين فيه، ولكنهم لا يجدون عملاً، ويقتصر الاهتمام بالبطالة، في حالات كثيرة، على البطالة السافرة فقط.

    لكن مفهوم البطالة، أو نقص التشغيل، يمتد إلى الحالات التي يمارس فيها فرد عملاً ولكن لوقت أقل من وقت العمل المعتاد، أو المرغوب، وتسمى هذه الظاهرة البطالة الجزئية الظاهرة أو نقص التشغيل الظاهر، ويمكن اعتبار نقص التشغيل الظاهر تنويعة على صنف البطالة السافرة.

    وتزداد أهمية التفرقة بين ألوان البطالة في البلدان النامية التي لا يلتحق بالقطاع الحديث من النشاط الاقتصادي فيها إلا قلة من العاملين، حتى هذه القلة لا تتمتع بمزايا العمل، أو التعويض عن البطالة، المعتادة في الاقتصادات الرأسمالية الناضجة (لهذا لا يستقيم، كما يقال أحيانًا، إن معدل البطالة في مصر يقل عن أوروبا مثلاً).

    وفي مصر يتأثر تقدير حجم البطالة بالمشاكل المفاهيمية والعجز الإحصائي بالشكل الذي ظهر فيما سبق؛ حيث إن أول ما يواجهنا من عقبات عند التصدي لقضية البطالة هو قلة البيانات وعدم دقتها وإخفائها أحيانًا بشكلٍ يقود إلى تصور إجراءات التصحيح والعلاج.

    ويبدأ التزييف الرسمي لحجم ومعدل البطالة من تعريف العاطل بأنه: "من لا يوجد له مصدر للرزق"، بما يعني استبعاد من لهم مورد رزق ناجم عن ميراث أو نتاج عمل سابق بالداخل أو الخارج حتى لو كانوا مؤهلين وقادرين على العمل وراغبين فيه ولا يجدون عملاً عند مستويات الأجور السائدة، وهذا التعريف الحكومي هو تعريف مخالف تمامًا للتعريف المعمول به في كل اقتصاداتِ العالم، والذي يحدد العاطل بأنه القادر والمؤهل للعمل والذي يطلب العمل عند مستويات الأجور السائدة ولا يجد عملاً.

    حجم المشكلة

    ويمكن تتبع تطور حجم مشكلة البطالة في مصر من خلال بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول تقدير حجم البطالة حيث نجد أنه في عام 1960م كان معدل البطالة 2.5% من إجمالي حجم القوى العاملة، وفي تعداد 1976م يقفز الرقم إلى 7.7 % ثم إلى 14.7% من تعداد 1986م، ولكنه وصل في 1996م إلى 8.8% إلى أن أعلن وزير التخطيط والتنمية المحلية الدكتور عثمان محمد عثمان أن الخطط المصرية التنموية تسعى خفض معدل البطالة من 9.5% حاليًا إلى 5% في العام 2010م، على أنه من المهم هنا أن نشير إلى أن تلك الأرقام تتعلق فقط بالبطالة السافرة فهي لا تشمل البطالة المقنعة الإنتاجية كما لا تشمل البطالة الموسمية أي هؤلاء الذي يعملون في موسم معين ثم يتعطلون باقي العام، كما لا تشمل أولئك الذين يعملون في حرف وقطاعات هامشية لا استقرار فيها تتسم بضعف الدخل للدرجة التي لا توفر الحياة اللائقة.

    أما بالنسبة لرقم ومعدل البطالة الحقيقية في الوقت الراهن فهناك اختلاف فيها، فبيانات الحكومة متمثلة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى أنَّ عددَ العاطلين في مصر قد بلغ نحو 1.78 مليون عاطل في بداية عام 2002م بما يعني أن معدل البطالة قد بلغ نحو 9.1% من إجمالي تعداد السكان، ولكن هذه النسبة تزداد كثيرًا إذا ما نسبت لحجم قوة العمل في مصر وبالمقابل تشير بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية والشهرية الصادرة في أبريل 2002م، إلى أنَّ عددَ العاطلين في مصر ثابت عند 1.5 مليون عاطل من العام المالي 69/97 وحتى العام المالي 2000/2001م؛ حيث بلغ 7.6% من إجمالي قوة العمل البالغة نحو 19.5 مليون نسمة.

    وهذه البيانات بدورها تختلف عن البيانات التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2001م، ولكنها جاءت معتمدة على بيانات عام 1995م، وهو العام الذي تتوقف عنده بيانات صندوق النقد الدولي لعدم وجود بيانات يمكن للصندوق أن يأخذ بها للأعوام التالية لعام 1995م.

    كما يمكن الوصول إلى تقدير رقم آخر لحجم البطالة يختلف عن الأرقام السابقة، ويستمد من بيانات حكومية موثقة، وذلك من خلال البيانات التي أعلنتها اللجنة العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء عند تطبيقها لنظام للتعامل المتقدمين لشغل عدد 170 ألف وظيفة حكومية تم الإعلان عنها عام 2001م فقد بلغ عدد عن يسحب استمارة تشغيل نحو 7 مليون شخص، أما من قام بتقديم طلب فعلى لشغل الوظيفة فقد بلغ نحو 4.40 ملايين.

    وقد أشارت اللجنة الوزارية العليا للتشغيل إلى أن 53.5% من بين 4.4 مليون تقدموا لشغل الوظائف الحكومية لا تنطبق عليهم الشروط، وهذا يعني أن 46.5% منهم أي نحو 2.05 مليون تنطبق عليهم الشروط وأولها أن يكون عاطلاً عن العمل.

    يُضاف إلى ذلك أنه لو جرى تأمل من اعتبرت الحكومة أن الشروط لا تنطبق عليهم سنجد أنهم لا زالوا داخل دائرة مَن يعتبر عاطل، ولكنهم خرجوا من دائرة المنافسة على 170 ألف فرصة عمل بسبب شروط أخرى للتشغيل، حيث أن 10 % من عدد المتقدمين أي نحو 440 ألف لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم بلا مؤهلات، كما أنها اعتبرت أن 6.5 % من المتقدمين أي نحو 286 ألفًا لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم من خريجي ما قبل 1984م.

    كما أنها اعتبرت أن 10% من المتقدمين أي 440 ألفًا لا تنطبق عليهم الشروط؛ لأنهم يعملون في أعمال غير دائمة وغير مؤمن عليهم، كما أعلنت اللجنة أن شروط التشغيل لا تنطبق على نحو 15% من المتقدمين أي نحو 660 ألفًا باعتبارهم من النساء، ممن هُنَّ من خريجات النظام التعليمي اللاتي تزوجن ويعشن حياة مستقرة وكأن زواج المرأة واستقرارها يخرجها من قوة العمل، رغم أنهن في سن العمل ويرغبن في العمل وقادرات عليه.

    وبناء على البيانات السابقة فإن عدد العاطلين وفقًا لهذا المصدر الحكومي يصبح 3.436 مليونًا عاطلاً (أي أكثر بثلثين من الرقم الرسمي المعلن للبطالة) وهو عبارة عن 2.05 اعتبرت الحكومة أنهم تنطبق عليهم شروط التشغيل الحكومي ونحو 660 ألف امرأة مؤهلة وقادرة، وطلبت العمل وهي في سن النشاط الاقتصادي، ونحو 440 ألف عاطل من غير المؤهلين ونحو 286 ألفًا من العاطلين من خريجي النظام التعليمي قبل عام 1984م.

    وبذلك تتضح حقيقة حجم مشكلة البطالة حيث يتوقع أن حجم البطالة الحقيقي لا يقل بأي حال من الأحوال عن 17% إلى 20% من حجم قوة العمل في مصر.

    مشكلة تزييف البيانات

    بعد التعريف الخاطئ للبطالة يتواصل التزييف الرسمي لبيانات العاطلين في مصر بالقول بأن قوة العمل المصرية لا تزيد علي 20.7 مليون نسمة في منتصف عام 2004م، في حين تشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم للعام 2005م، إلى أن تعدادها بلغ 26.7 مليون نسمة في عام 2003م، بما يزيد بمقدار 6 ملايين نسمة على تعدادها الرسمي في مصر، وهذه الزيادة يمكن أن تضاف بالكامل إلى الرقم الرسمي للعاطلين البالغ 2 مليون عاطل لتصل بعدد العاطلين في مصر إلى 8 ملايين عاطل وبمعدل البطالة إلى نحو 30% من قوة العمل المصرية.



    ومن طرائف تزييف البيانات الرسمية المتعلقة بالبطالة في مصر أن بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية الشهرية الصادرة في إبريل من العام 2002م، كانت تشير إلى أنَّ عددَ العاطلين في مصر قد ثبت عند 1.6 مليون عاطل من العام المالي 1992/1993م حتى العام المالي 1995/1996م، ثم انخفض بعد ذلك إلى 1.5 مليون عاطل من العام المالي 1996/1997م، وحتى العام المالي 2000/2001م، وبالتالي فإن معدل البطالة قد اتخذ اتجاهًا تراجعيًّا مستمرًّا بلا انقطاع منذ العام المالي 1993/1994م عندما سجل 9.8% وحتى العام المالي 2000/2001م حينما بلغ 7.6% وفقًا للبيانات الرسمية الحكومية.



    لكن نفس النشرة تعود في عدد مايو 2005م لتشير إلي بيانات مختلفة تمامًا عن السنوات المذكورة آنفًا، حيث تشير إلى أن عدد العاطلين في العام المالي 1992/1993م، قد بلغ نحو 1.8 مليون عاطل، ارتفع إلى 1.9 مليون عاطل في عام 1993/1994م، ثم ثبت عند نفس المستوى في العام المالي التالي عليه، قبل أن يبدأ في التراجع ليصل إلى 1.4 مليون عاطل في العام المالي 1997/1998م، قبل أن يعاود الارتفاع مرة أخرى ليصل إلى 2 مليون عاطل في العام المالي 2002/2003م، ثم يثبت عند نفس المستوى في عام

    2003/2004م، وكأنه قد تمَّ توفير فرص عمل لكل الداخلين الجدد إلى سوق العمل في العام المالي الأخير (يدخل حوالي 800 ألف شخص جديد إلى سوق العمل سنويًّا)، وهو ما لم يحدث بأي حال من الأحوال.

    المطلب الثاني: سمات كتلة العاطلين في مصر


    تتسم كتلة العاطلين في مصر بعدد من السمات الاجتماعية والنوعية يمكن رصدها على النحو التالي:

    1- أن الشطر الأعظم من كتلة البطالة يتمثل في بطالة الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة والذين تتراوح أعمارهم بين 15، 40 عامًا.

    2- أن البطالةَ في مصر هي بطالة متعلمة فالغالبية العظمى من العاطلين من خريجي الجامعات ومدارس ثانوية.

    3- ارتفاع نسبة البطالة بين النساء ففي عام 1988م كانت نسبة البطالة بين النساء في الحضر 22.1 % مقابل 8.4% بالنسبة للبطالة بين الرجال، أما في الريف فكانت النسبة أكبر من ذلك حيث بلغت 26.3%، بينما سجلت معدلات البطالة في صفوف الرجال في الريف انخفاضًا عن مثيله في الحضر، فقد بلغ نحو 6.6%، أما إذا عدنا للبيانات التي أعلنتها اللجنة العليا للتوظيف المذكورة سابقًا فإننا سوف نجد أن هناك 660 ألف امرأة متعلمة وفي سن العمل وراغبة فيه تعاني من البطالة.



    وبالإضافة إلى ذلك يميل اتجاه معدلات البطالة للارتفاع في الحضر بعد أن كانت في فترات سابقة ترتفع بنسبة أكبر في الريف، حيث تشير بيانات تقارير التنمية البشرية إلى أن معدلات البطالة في الحضر كانت 12.5% مقابل 9.2% في الريف، وربما يمكن تفسير ذلك بتزايد معدلات هجرة الأيدي العاملة العاطلة من الريف إلى المدن سعيًا وراء فرصة عمل وخصوصًا في القطاعات الهامشية التي تزدهر في المدن.

    المطلب الثالث: أسباب مشكلة البطالة في مصر

    ترجع أسباب مشكلة البطالة في الجزء الأكبر منها إلى أسباب هيكلية تعود إلى طبيعة الاقتصاد المصري وحركته كاقتصاد نامي يعاني من اختلالات هيكلية داخلية وخارجية تتمثل في الاختلال في ميزان المدفوعات والاختلال في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب وجود فجوة كبيرة بين كل من الادخار والاستثمار، وبالتالي الإنتاج والاستهلاك.

    ولا شك أن البحث في أسباب مشكلة البطالة لا بد من ربطه بنمط عملية التنمية السائدة فقد شهد الاقتصاد المصري تقلب في أكثر من نمط من أنماط التنمية فمن نمط اقتصاد الحر الرأسمالي قبل ثورة يوليو 1952م، إلى نمط الاقتصاد الاشتراكي الموجه مع ما صاحبه من التزام الدولة باستيعاب الجزء الأكبر من العمالة في دولاب العمل الحكومي بشقيه الإنتاجي والخدمي، حيث أدى ذلك إلى خفض معدلات البطالة في تلك الفترة فرغم ما مرَّ به الاقتصاد المصري في الفترة ما بين عامي 1968م إلى 1973م من صعوبات نتيجة لتوجيه وتعبئة الجزء الأكبر من موارده لصالح الاتفاق العسكري إلى جانب ما صاحبه ذلك من تدهور معدل الاستثمار المحلي إلا أن معدلات البطالة في تلك الفترة كانت تدور حول معدلات منخفضة إذا ما قورنت بالوقت الراهن (2.2% من حجم قوة العمل)؛ الأمر الذي قد يرجع إلى استيعاب القوات المسلحة لجزء كبير من قوة العمل مع زيادة سنوات الخدمة العسكرية.

    ومع بداية تحول الاقتصاد المصري من نمط التنمية المعتمد على الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى تنفيذ ما سمي بسياسات الانفتاح الاقتصادي في النصف الثاني من السبعينيات اتجهت معدلات البطالة نحو الارتفاع النسبي إلا أن هذا الارتفاع ظل في الحدود المقبولة فقد تراوح معدل البطالة بين 2.3% و5.6% طوال هذه الفترة حيث مكَّنت زيادة حجم الإنفاق الحكومي في ذلك الوقت ممن إعادة الإعمار وزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي سواء كان ذلك من البترول أو تحويلات العاملين بالخارج أو حصيلة السياحة، إضافةً إلى القروض الضخمة التي حصلت عليها مصر آنذاك.

    كما ساهم استيعاب أسواق العمالة بالخليج العربي لأعداد كبيرة من العمال والفنيين المصريين في تأجيل انفجار مشكلة البطالة إلى عقدي الثمانينيات والتسعينيات حيث شهدت فترة الثمانينات العديد من العوامل التي أدت إلى تفاقم مشكلة البطالة، فساهمت مجموعة من العوامل الخارجية في إضعاف معدلات الاستثمار، وبالتالي زيادة حجم البطالة من هذه العوامل انخفاض الحصيلة من بيع البترول المصري نتيجة لانخفاض أسعارها إلى جانب قلة حجم الصادرات المصرية الأخرى، يضاف إلى ذلك تفاقم مشكلة ديون مصر الخارجية وزيادة أعباء خدمة الدين مع ما صاحب ذلك من قيود على قدرة مصر على الاقتراض.

    كل هذه عوامل وأسباب ساهمت في تفاقم مشكلة البطالة بدءًا من عام 1991م، لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي؛ حيث اتخذت مشكلة البطالة أبعادًا جديدة فما هو أثر تطبيقه برنامج الإصلاح الاقتصادي على مشكلة البطالة.



    الحكومة شماعة النمو السكاني

    تلجأ الحكومة عادةً، إلى إلقاء المسئولية عن ضعف الأداء الاقتصادي وتزايد معدلات البطالة في مصر، على معدلات الزيادة السكانية فيها وما تنطوي عليه من زيادة في قوة العمل، رغم أن الزيادة في عدد السكان وقوة العمل في مصر تعتبر معتدلة وتقل عن المعدلات المناظرة في البلدان التي تدخل ضمن نفس الفئة الداخلية التي تقع فيها مصر.

    وبدلاً من أن ينظر الحكم في مصر إلى عنصر العمل كعنصر إنتاجي مهم يمكن توظيفه بشكل فعال في إنتاج السلع والخدمات وزيادة قدرة الاقتصاد المحلي من خلال استثمارات جديدة تستوعبه، فإنَّ الحكمَ وعلى رأسه الرئيس حسني مبارك، يبرر فشله في تحقيق ذلك بشماعة ارتفاع معدلات النمو السكانية، رغم أن تلك المعدلات تتراجع تلقائيًّا بالتوازي مع ارتفاع مستويات المعيشة والتعليم، وليس بالصراخ والشكوى من ارتفاعها.

    وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أن دولة تحقق نموًا ممتازًا وتقدمًا سريعًا وتحسينًا مبهرًا لمستويات معيشة أبنائها هي ماليزيا، تحقق معدلات نمو سكاني أعلى من مصر منذ عام 1965م وحتى الآن بلا انقطاع، وقد بلغ متوسط معدل نمو السكان في ماليزيا نحو 2.4% سنويًّا خلال الفترة من 1990م حتى 2003م، مقارنةً بنحو 1.9% سنويًّا في مصر خلال الفترة المذكورة.

    وفي نفس الوقت بلغ معدل البطالة في ماليزيا نحو 3.7% خلال الفترة من 2000م إلى 2002م، مقارنةً بنحو 9% في مصر في الفترة نفسها، وهذه البيانات المقارنة تبطل الحجة التي ترددها الحكومة المصرية بأن النمو السكاني هو المسئول عن أزمة البطالة، فالمسئول الحقيقي هو السياسات الاقتصادية والتي لا تقيم اعتبارًا لتشغيل المواطنين ولا لمصالح الطبقة الوسطى أو الفقيرة؛ لأنها معنية بالأساس بمصالح الطبقة العليا من رجال الأعمال والبيروقراطية الفاسدة والمستثمرين الأجانب الذين تقوم الدول التي ينتمون إليها وهي في غالبيتها الساحقة الدول الدائنة للحكومة المصرية بفرض الشروط الملائمة لهم لتحقيق ما يتم ترويجه على أنه إصلاح اقتصادي أو إجراءات للتكيف الهيكلي.

    كما أن الفساد المستشري في الحكومة وأجهزة الدولة هو المسئول أيضًا عن ركود الاقتصاد وضعف قدرته على توفير فرص العمل للمواطنين لتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة.



    المطلب الرابع: برنامج الدولة ومدى واقعيته

    طرح الرئيس حسنى مبارك في حملته الانتخابية قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت في السابع من سبتمبر من العام الماضي 2005م، وعود بخلق 4.5 ملايين فرصة عمل ورفع أجور 5 ملايين موظف بنسبة تتراوح بين 100% و75% إذا أعيد انتخابه كرئيسٍ للجمهورية للسنوات الست القادمة.

    وتشكل البطالة الهاجس للمواطنين الذين يشكون من أنها مصحوبة بفساد ومحسوبية بلغا حدًّا غير مسبوق حتى إن الوظائف في الحكومة والجهاز الإداري للدولة صار لها تعريفة معروفة تتراوح بين ثلاثة آلاف و15 ألف جنيه حسب مستوى الأجور في كل إدارة حكومية.

    وتشمل التحديات التي تواجه مبارك في هذا المقام عددٌ من القضايا التي تجعل من وعده هذا أمرًا مستبعدًا في تحقيقه، وعلى رأس هذه التحديات ضعف أداء الاقتصاد المصري، وكذلك إعادة تأهيل العمال الذين تمَّ تسريحهم من شركات حكومية خضعت للخصخصة في الفترة الأخيرة، واستخدام الدعم بكفاءة أكبر، وخفض الدين الحكومي لتشجيع البنوك علي البدء في إقراض رجال الأعمال.

    والأهم من ذلك خفض عجز الموازنة وتحديات الاختلالات الهيكلية الموجودة في بنية الاقتصاد المصري، وتحتاج مصر لتوفير ما يقدر بنحو 700 ألف فرصة عمل سنويًّا للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهو هدف تعهد مبارك بتحقيقه في خطبه أثناء الحملة الانتخابية، ويقول بعض الاقتصاديين إن حتى تحقيق معدل نمو قدره 6% سنويًّا قد لا يبقى على العمالة عند مستوياتها الراهنة.

    وكما سبق القول، ففيما تقول الحكومة إن معدل البطالة يبلغ نحو 10% لكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى مثلي هذا الرقم، وهو ما يدع أي مدقق يجزم بالقول بأن اقتراح مبارك لبرامج لخلق 4.2 مليون فرصة عمل خلال الست سنوات القادمة من خلال مشروعات متناهية الصغر وصغيرة ومتوسطة ومشروعات صناعية وسياحية تبلغ إجمالي الاستثمارات اللازمة لها 211 مليار جنيه؛ يعتبر علاجًا غيرَ واقعي للمشكلة لأنه لا يركز على الأسباب الرئيسة لمشكلة البطالة وعلى رأسها الاختلالات الهيكلية للاقتصاد المصري، ولو تمَّ تمويل هذه المشروعات من خلال القطاع المصرفي ومساهمات رجال الأعمال.

    كما طرح مبارك برنامجًا لاستصلاح 1.3 مليون فدان توفر 420 ألف فرصة عمل فضلاً عن برامج لزيادة الأجور والمعاشات وتوسيع نطاق المستفيدين منها من خلال رفع حجم الإنفاق العام في الموازنة العامة للدولة ليصل معدله السنوي إلى 220 مليار جنيه.

    خبراء يؤكدون استحالة ذلك

    يقول أحمد النجار- الباحث بمركز الدراسات الإستراتيجية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام)- إنه في آخر موازنة للدولة (2005- 2006م) بلغ حجم الاتفاق العام 177.5 مليار جنيه ووصل العجز فيها إلى أكثر من 52 مليار جنيه بنسبة 10.5% من إجمالي الناتج المحلي، فإذا زاد الإنفاق سيرتفع عجز الموازنة أي حجم المديونية المحلية (التي تبلغ الآن 81 مليار دولار) والخارجية (30.2 مليار دولار) وهو ما يهدد بانفجــار التضخم، وقد بلغت نسبة التضخم 4.7% وفق البيانات الرسمية ولكنها تصل إلى 8.5% حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

    ويضيف النجار أن برنامج التوظيف الذي طرحه مبارك غير واقعي، فعلى مدى ربع القرن الأخير تم إيجاد 291 ألف فرصة عمل سنويًّا فكيف سيستطيع أن يقفز بهذا المعدل إلى أكثر من الضعف خلال السنوات الست القادمة، وبالتالي فإن هذه البرامج لا تعدو كونها "إعلان نوايا" إذ إن تمويلها يعتمد علي الجهاز المصرفي ورجال الأعمال وليس هناك ضمانة بأن البنوك أو المستثمرين سيوفرون هذه السيولة.

    في السياق نفسه يشير أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة الدكتور إبراهيم العيسوي إلى أن المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري لا تحمل على الاعتقاد بإمكانية توفير التمويل اللازم لهذه البرامج خاصة أن معدل الاستثمار انخفض من 29% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 16% في العام 2003/2004م.

    البطالة على جدول أعمال الحكومة

    وعن دور الحكومة فقد تمَّ الإعلان، عن أن مكافحة البطالة ستلقى أولوية على جدول أعمال الحكومة، وقد صعّدت الحكومة حملة مكافحة البطالة بالإعلان عن مبادرة أخرى تتضمن إضافة حوالي نصف مليون فرصة عمل إضافية إلى المائة والخمسين ألفًا التي سبق الإعلان عنها، من هذه الشريحة الجديدة، أعطيت مسئولية خلق 200 ألف فرصة عمل، في القطاع الخاص، لمكاتب التشغيل التابعة لوزارة العمل، وهي مسئولية كانت دائمًا من صميم اختصاص هذه المكاتب، وليس واضحًا ما هو الجديد الذي سيمكن مكاتب التشغيل من الوفاء بهذه المهمة الآن.

    كذلك أوكلت مهمة خلق 200 ألف فرصة عمل أخرى للصندوق الاجتماعي للتنمية، باستخدام تمويل متاح فعلاً يبلغ 1.2 مليار جنيه، وهو الأمر الذي قد يعني، لأول وهلة، افتراض متوسط تكلفة لفرصة العمل يوازي ستة آلاف جنيه مصري، وهي ليست إلا جزءًا يسيرًا من تكلفة خلق فرصة العمل في عموم الاقتصاد المصري.

    وبالإضافة إلى ذلك، فإن برنامج "شروق" للتنمية الريفية- متواضع التأثير- خصص له أن يخلق 33 ألف فرصة عمل، على أن يخلق باقي فرص العمل المعلن عنها من خلال عدد من المبادرات الأخرى (تشمل التدريب على تقنيات الاتصال والمعلومات، ومشاتل الأشجار، وجمع القمامة وإصحاح البيئة).



    المطلب الخامس: البطالة ونواتج اجتماعية

    تشير دراسة أعدها مركز الأرض لحقوق الإنسان عن أحوال العمال في مصر إلى أن اتباع الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادي وتشجيع رأس المال العربي والأجنبي منذ عام 1974م بدأت معها ظاهرة البطالة، ثم تفاقمت نتيجة لتخلي الدولة عن تعيين الخريجين، ووصل عدد العاطلين إلى 13% من قوة العمل في الفترة من منتصف الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، بحسب تقديرات شبه رسمية.

    وطبقًا للأرقام الرسمية فإنَّ عددَ العاطلين في مصر زاد من 112 ألفًا و535 عاطلاً عام 1950م ليصل إلى 5 ملايين عاطل في أوائل 2000م، وأنَّ عددَ العاطلين زاد بنسبة 4000% خلال الـ54 عامًا الأخيرة؛ حيث ارتفعت نسبة العاطلين من 1.2% من جملة قوة العمل عام 1950م لتصل إلى 3.4% عام 1970م وصولاً إلى 13% عام 2000؛ وهو ما يعتبره خبراء حد الخطر؛ حيث تؤكد الدراسات الاقتصادية أن الحد الآمن لنسبة البطالة في أي مجتمع يجب ألا يتخطى الـ4% فقط.

    هذه الظاهرة كان لها بطبيعة الحال آثارًا اجتماعية كبرى ونتج عنها العديد من الأمراض ذات الأثر الكبير في المجتمع المصري، مثل ارتفاع معدلات الجريمة والانتحار وغير ذلك من صور الحياة السلبية التي عرفها مجتمعنا.

    أولاً: البطالة وارتفاع معدلات الجريمة:

    يؤكد خبراء في مراكز الأبحاث الاجتماعية أن البطالة تؤدي لمشكلات وجرائم عديدة، لأن لها أبعادًا سياسية واقتصادية واجتماعية، فطبقًا لدراسة أعدتها الدكتورة نادرة وهدان، الخبيرة في مركز التخطيط الاجتماعي التابع لمعهد التخطيط القومي، فإن هناك علاقةً طرديةً بين زيادة معدل البطالة وبين انتشار الجريمة؛ لأن العاطل عمومًا في حاجةٍ شديدة إلى المال لإشباع رغباته الأساسية، فإذا ما تعذَّر عليه الحصول على المال بالطرق المشروعة، فإنه يلجأ إلى الطرق البديلة للحصول عليه، وأغلبها يتمثل في جرائم السرقة والاتجار في المخدرات.


    ولأن البطالة أيضًا مرتبطة بتأخر سن الزواج فإن العاطلين أكثر من غيرهم عرضةً لارتكاب جريمة الاغتصاب وهتك العرض، ولهذا لم تكن مفاجأة أن تجد الدراسة أن 78% من المتهمين في مثل هذه الجريمة هم من العاطلين، إذ إن نسبة المتهمين في الجنايات من العاطلين كانت 9.2% عام 1971م، وارتفعت إلى 26.7% عام 1996م ثم إلى 29% عام 2002م.

    في حين أن المتهمين في جنح سرقات المساكن من العاطلين بلغت نسبتهم 15.6% عام 1971م، وارتفعت إلى 57.5% عام 1996م، وإلى 60% عام 2002م، كما ارتفعت نسبة العاطلين المتهمين في جرائم سرقة السيارات من 6.8% عام 1971م، إلى 67.2% عام 1996م ثم 71% عام 2002م.

    وتؤكد ذات الدراسات أن 65% من إجمالي الجرائم، التي تشهدها مصر سنويًّا، يرتكبها عاطلون عن العمل، وكذلك 90% من جرائم الاغتصاب و80% من جرائم القتل، التي تقع في نطاق الأسرة ترتكب بسبب وجود عاطلين في محيط الأسرة.

    ثانيًا: البطالة والانتحار:

    لعل أخطر الجرائم المستحدثة في عالم العاطلين هي الانتحار، إذ زادت حالات الانتحار بين العاطلين لوضع حد لحياتهم البائسة، وأغلب حالات الانتحار تتم بالشنق ثم الغرق ثم تناول مادة سامة ثم الموت طعنًا بالسكين.



    تقرير التنمية البشرية وقضية البطالة

    يشير تقرير التنمية البشرية لمصر 2005م الصادر في يناير 2006م الماضي، إلى أن البطالة المزمنة هي إحدى أخطر المشاكل التي تواجه الاقتصاد المصري حاليًا، وقد بلغ الرقم الرسمي لمعدل البطالة 11% عام 2003م، هذا على الرغم من أن الرقم غير الرسمي قد يكون أعلى.
    وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن تنمو قوة العمل في مصر بنحو 3% سنويًّا على مدى العشرين عامًا القادمة، وهو ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي يجب أن ينمو بمعدل يتراوح بين 6-7% حتى يمكن امتصاص العمالة الإضافية وأدى التحسن الكبيرة في الأوضاع الصحية للأطفال، إلى تراجع مستمر في معدل وفيات الرضع والأطفال منذ عقد الستينيات، وترتب على ذلك أن أصبح السكان في سن العمل (15-64 سنة) يُشكلون 51% من إجمالي السكان، كما أن 35% من العاملين تقل أعمارهم عن 24 سنة.

    وبالإضافة إلى ذلك، يُشكِّل الشباب الغالبية العظمى من المتعطلين الذين يطرقون أبواب سوق العمل لأول مرة والذين يجدون أنفسهم في انتظار فرصة عمل أيًّا كانت، وأصبح ذلك الوضع بمثابة ضياع للموارد البشرية الثمينة، كما أنه قد يشكل خطرًا على الاستقرار.

    وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة لعام 2005م بلغ عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في عام 2000م قرابة 16.7% من السكان، وفي بلد يبلغ عدد سكانه 77.5 مليون نسمة، وإذا صحت أرقام الأمم المتحدة، فعلى قرابة 13 مليون نسمة أن يعيشوا في ظروف حياتية غير بشرية.

    وتبقى المشكلة الكبرى في هذا البلد معدلات البطالة المرتفعة، فنسبة البطالة الرسمية تبلغ 9.9% من القوى العاملة، في حين يقول محللون اقتصاديون محليون إن النسبة الحقيقية للعاطلين عن العمل هي ضعف ما تعترف به الحكومة ويصلون بها إلى 29% وبمعدلات الفقر إلى ما بين 60% إلى 70%، بحسب تقرير شبكة المعلومات الإقليمية التابع للأمم المتحدة.

    عايز حقي.. "اتحاد شباب العاطلين"

    ظاهرة اجتماعية أخرى وُلدت نتيجة للبطالة، وهي بمثابة ردة فعل سلمية لشباب المجتمع المصري إزاء البطالة ودور الدولة في خلق هذه المشكلة، وهذه "الظاهرة" هي حركة شبابية جديدة للعاطلين تحمل اسم "اتحاد شباب العاطلين" وشعارها هو "عايز حقي" في العمل، وذلك على غرار العديد من الحركات الأهلية التي غمرت مصر مؤخرًا مع موجة الحراك السياسي الراهنة مثل الحركة المصرية من أجل التغيير؛ "كفاية" و"شايفينكم" وغيرها.

    وقد بدأ التفكير في تأسيس الحركة من خلال مظاهرة نظمتها حركة "كفاية" أمام قصر عابدين الجمهوري في يوليو 2005م للعاطلين عن العمل، وتم تدشين الحركة رسميًّا في سبتمبر 2005م على يد عددٍ من الشباب العاطل بمحافظة دمياط شمال بلغ عددهم 40 شابًا، وجرى التأسيس العلني لأول اتحاد للعاطلين في مؤتمر بدمياط في الأول من أكتوبر 2005م حضرة 1500 شاب عاطل.

    وطبقًا لعبد الرحيم رمضان- المتحدث باسم الاتحاد- فإنَّ الهدفَ من وراء هذه الحركة هو "انتزاع الحقوق والتخلي عن الصمت"، مشيرًا إلى أن الاتحاد ليس حزبًا سياسيًّا أو جمعيةً بل "دعوة للشرفاء في الوطن إلى إنقاذه من الغرق بعد أن اختطفه أبناء الصفوة الحاكمة والمتحكمين"، فيما يرى البدري فرغلي العضو السابق في مجلس الشعب المصري، وأحد مؤسسي اتحاد العاطلين أن "الفساد هو أحد أسباب البطالة في مصر".

    ويأمل المسئولون عن هذه الحركة الوليدة التي بدأت بأربعين شابًا أن يتزايد أعضاؤها باستمرار في ضوء زيادة عدد العاطلين، وأن يكون مؤتمرها الشعبي الأول الذي عُقد بمقرِّ حزب التجمع في دمياط بعنوان "البطالة وعلاقتها بالفساد والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها" بداية لسلسلة مؤتمرات تركز على أن استئصال الفساد يسهم في حل مشكلة البطالة.



    المطلب السادس: مكافحة البطالة وإستراتيجيات غائبة

    من السهولة بمكان انتقاد موقف الحكومة في مصر، و"إنجازها"، في مكافحة البطالة، فسجل "الإنجاز" غير مشجع، وعلى الرغم من فقر البيانات، تدل المؤشرات المتاحة على أن المشكلةَ تستفحل أكثر وأكثر كل عام.

    ولا يمكن التوصل لحلٍ ناجحٍ لمشكلة البطالة في مصر إلا من خلال برنامج إستراتيجي، متعدد الأبعاد، ومحكمها، طويل الأجل تقوم عليه دولة (وليس مجرد حكومة) فعَّالة، فلم يعد رتق الثقوب أو الحلول الجزئية المتناثرة بكافٍ لتحقيق أثر ملموس على مثل هذه المشكلات الكبيرة.

    وبداهة فإن علاج البطالة يجب أن يكون على مختلف صنوف البطالة السافرة والمقنعة، وإيجاد فرص عمل كافية، يوظف فيها العاملون قدراتهم لأقصى حد، بما يحقق كفاءة إنتاجية عالية، ومتزايدة، من ناحية، ويوفر كسبًا مرتفعًا، ومتناميًا، يكفل إشباع الحاجات الأساسية للناس في المجتمع، وارتقاء مستوى الرفاه البشرى مع الزمن، من ناحية أخرى.

    ويعني هذا الهدف المركب خلق فرص عمل أفضل من المتاح حاليًا، على جانبي الإنتاجية والكسب على حدٍّ سواء، وأكثر بكثير من المطلوب لمجرَّد مواجهة البطالة السافرة، بحيث يمكن للمشتغلين فعلاً في أي نقطة زمنية الانتقال لأعمال أعلى إنتاجية وأوفر كسبًا.

    ومن جانبٍ آخر يتعين الارتقاء بنوعية رأس المال البشري، من خلال الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب المستمرين وفي الرعاية الصحية، مع إيلاء عناية خاصة للمستضعفين، من الفقراء والنساء، حتى يتأهل الأفراد في سوق العمل لفرص العمل الأفضل، وهذه مهمة تاريخية ليس لها إلا الدولة، وعلى حد وفائها بهذه المهمة سيتحدد مدى خدمتها لغاية التقدم.

    وحيث لا يُتوقع أن يتمكَّن رأس المال الكبير، من خلق فرص العمل الكافية لمواجهة تحدي البطالة؛ نظرًا لتركيزه على الأنشطة الاقتصادية كثيفة رأس المال وخفيفة العمالة، فيتعين توفير البنية المؤسسية المواتية لقيام المشروعات الصغيرة بدورٍ مهمٍ في خلق فرص العمل، مع تخليق تضافر فعال بين المشروعات الصغيرة وقطاع الأعمال الحديث، ويطلب تحقيق ذلك الهدف، تمكين عموم الناس، خاصةً الفقراء، من الأصول الإنتاجية بالإضافةِ إلى رأس المال البشري.

    ويأتي على رأس القائمة في هذا المقام الائتمان، بشروط ميسرة، وتوفير الأراضي والمياه في المناطق الريفية حيث يعيش كثرة الفقراء، كذلك يتعين أن توفر البيئة القانونية والإدارية لتسهيل قيام المشروعات الصغيرة ورعايتها، حيث تتسم هذه المشروعات بالضعف وارتفاع احتمال الفشل.

    ويُمثل ذلك التوجه، إن قام، تحولاً جذريًّا في بيئة الاستثمار الحالية التي توفر الحوافز، كل الحوافز، لرأس المال الكبير، بينما تترك المستثمر الصغير، قليل الحيلة بالتعريف، يرزح تحت ثقل أقسى العوائق التمويلية والإدارية والتسويقية، وعلى وجه الخصوص، تعمل السياسات الزراعية والبيروقراطية وكذلك الاستثمارية الحالية على زيادة تركيز حيازة الأرض الزراعية بما ينذر باستشراء الفقر في الريف.

    وقد تتطلب مكافحة البطالة، خاصةً في البداية، توفير فرص عمل من خلال الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية الأساسية.

    وفي النهاية، فإنَّ بلوغ التوجهات الإستراتيجية السابقة غاياتها في مكافحة البطالة يتطلب تغييرات مؤسسية بعيدة المدى في البنية الاقتصادية والسياسية تشمل زيادة كفاءة سوق العمل في سياق تدعيم تنافسية الأسواق عامة وضبط نشاطها، في إطارٍ من سيادة القانون التامة واستقلال للقضاء غير منقوص، وإصلاح الخدمة الحكومية، وإقامة نظم فعالة للأمان الاجتماعي، وإصلاح نظم الحكم لتصبح معبرةً عن الناس بشفافية ومسئولة أمامهم بفعالية، ولتمكن من تقوية مؤسسات المجتمع المدني الجماهيرية بحق، حتى يصبح لعموم الناس، وللفقراء خاصة، صوت مسموع في الشأن العام.

    وبديهي أيضًا أن مكافحة البطالة تقتضي رفع وتيرة النمو الاقتصادي، ويتطلب ذلك، بدايةً، زيادة معدلات الادخار والاستثمار.

    ومن جانبٍ آخر، فإنه يجب توجيه العمل المتاح إلى نشاطات اقتصادية كثيفة العمل في ظل ظروف البطالة واسعة النطاق، وجُلَّها من الشباب، وجانب كبير منها من المؤهلين تعليميًّا، وإن كان في تخصصات غير متوائمة مع احتياجات سوق العمل وعلى مستوى نوعية منخفض، وفي مناخ اجتماعي يُحَقِّر العمل اليدوي، وهي كلها عوامل تقتضي تحوير نسق الحوافز المادية والمعنوية في المجتمع لتوجيه المتعطلين نحو فرص العمل المنتج التي تحتل حاليًا مكانة اجتماعية متدنية، مما يساعد على رفع قيمة العمل عامة، والعمل اليدوي خاصة.

    وقد يقتضى كل هذا الأمر إنشاء نظام فعَّال للتدريب التعويضي لتأهيل المتعطلين لفرص العمل التي لا تتناسب متطلباتها مع قدراتهم الراهنة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 23, 2014 3:20 am